عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
150
اللباب في علوم الكتاب
ومنها طعن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في إلهية الكواكب بكونها آفلة غاربة ، فلو كان إله العالم جسما ، لكان أبدا غاربا آفلا وكان متنقلا من الاضطراب والاعوجاج إلى الاستواء والسكون والاستقرار ، فكلّ ما جعله طعنا في إلهية الكواكب يكون حاصلا في إله العالم فكيف يمكن الاعتراف بإلهيته « 1 » ؟ ! . ومنها أنّه تعالى ذكر قبل قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ شيئا ، وبعده شيئا آخر ، أمّا المذكور قبل هذه الكلمة فهو قوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وذلك يدلّ على وجود الصّانع ، وقدرته ، وحكمته . وأما المذكور بعد هذه الكلمة فأشياء أوّلها : « يغشي اللّيل النّهار يطلبه حثيثا » ، وذلك يدلّ على وجود اللّه تعالى ، وعلى قدرته وحكمته . وثانيها : قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وهذا أيضا يدلّ على الوجود ، والقدرة والعلم . وثالثها : قوله : « ألا له الخلق والأمر » ، وهو أيضا إشارة إلى كمال قدرته ، وحكمته . وإذا ثبت هذا فنقول : أوّل الآية إشارة إلى ذكر ما يدلّ على الوجود والقدرة والعلم ، وآخر الآية يدلّ أيضا على هذا المطلوب ، وإذا كان كذلك فقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يجب أيضا أن يكون دليلا على كمال القدرة والعلم ؛ لأنّه لو لم يدلّ عليه ، بل كان المراد كونه مستقرّا على العرش لا يمكن جعله دليلا على كماله في القدرة ، والعلم ، والحكمة ، وليس أيضا من صفات المدح والثّناء ، لأنّه تعالى قادر على أن يجلس جميع البقّ والبعوض على العرش ، وعلى ما فوق العرش ، فثبت أنّ كونه جالسا على العرش ليس من دلائل إثبات الذّات والصّفات ، ولا من صفات المدح والثّناء ، فلو كان المراد من قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ كونه جالسا على العرش ، لكان ذلك كلاما أجنبيا عمّا قبله وعمّا بعده ، وذلك يوجب نهاية الرّكاكة ؛ فثبت أنّ المراد منه ليس ذلك بل المراد منه : كمال قدرته في تدبير الملك ، والملكوت ، حتّى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ، ولما بعدها ، وهو المطلوب . وإذا ثبت هذا فنقول : إنّ قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ من المتشابهات التي يجب تأويلها ، وللعلماء هاهنا مذهبان : الأول : أن يقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، ولا نخوض في تأويل الآية على التّفصيل ، بل نفوّض علمها إلى اللّه - تعالى - ونقول : الاستواء على العرش صفة للّه - تعالى - بلا كيف يجب على الرّجل الإيمان به ، ونكل العلم فيه إلى اللّه - عزّ
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 93 .